محمد رأفت سعيد

238

تاريخ نزول القرآن الكريم

وصف الله عز وجل هؤلاء الساخرين بالإجرام فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) [ المطففين ] . وهذا المسلك الساخر إنما يقوم على قصر نظر المشركين وعلى هوائهم واستبعادهم للوصول إلى ملك كسرى وقيصر ، لقوتهم وشدة منعتهم وكبر حجمهم في نفوس المشركين . ومن نماذج العيب والسخرية بالمبادئ كذلك ما كان من موقف العاصي مع خباب فقد عمل خباب بن الأرت ( وكان حدادا يعمل السيوف بمكة ) للعاصي عملا حتى كان له عليه مال ، فجعل يتقاضاها منه ، فقال العاصي : يا خباب ، أليس يزعم محمد صاحبكم الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب وفضة وثياب وخدم ، قال خباب : بلى ، قال : فأنظرنى إلى يوم القيامة يا خباب ، حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك حقّك هناك فوالله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله منى ولا أعظم حظا في ذلك فنزل فيه قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ( 77 ) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 78 ) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ( 79 ) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً ( 80 ) [ مريم ] . فهؤلاء بهمزهم ولمزهم وسخريتهم وإفسادهم واستغنائهم بالمال ، وظنهم أن معه الخلود في الدنيا لهم في هذه السورة الكريمة ما يزجرهم ، ويوقظهم من غفلتهم وإلا فالويل لهم . والمال الذي جمعوه وعدّدوه وظنوا معه الخلد فإنه لن يدوم لهم وما أخلد المال أحدا بل طريق الخلود في النعيم الإيمان والعمل الصالح ، وإذا ركنوا إلى المال وعددوه للحماية فقد أخطئوا الطريق كذلك ، فعن الحسن أنه عاد موسرا فقال : ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم ، ولا تفضلت على كريم ؟ قال : ولكن لما ذا ؟ قال : لنبوة الزمان وجفوة السلطان ونوائب الدهر ومخافة الفقر ، قال : إذن تدعه لمن لا يحمدك وترد على من لا يعذرك « 1 » . وسيطرح هذا المال في الحطمة وهي نار الله ؛ سميت بذلك لأنها تكسّر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشمه كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ( 4 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ( 7 ) قال محمد بن كعب : تأكل النار جميع ما في

--> ( 1 ) الكشاف للزمخشري 4 / 284 .